محمد جمال الدين القاسمي
262
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
نُفُوراً [ الإسراء : 45 - 46 ] . فقد أخبر ، ذما للمشركين ، أنه إذا قرئ عليهم القرآن حجب بين أبصارهم وبين الرسول بحجاب مستور ، وجعل على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا . فلو كان أهل العلم والإيمان على قلوبهم أكنة أن يفقهوا بعضه لشاركوهم في ذلك . وقوله : أَنْ يَفْقَهُوهُ يعود إلى القرآن كله . فعلم أن اللّه يحب أن يفقه . ولهذا قال الحسن البصريّ : ما أنزل اللّه آية إلا وهو يحب أن يعلم في ماذا أنزلت وماذا عنى بها . وما استثنى من ذلك لا متشابها ولا غيره . وقال مجاهد : عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره مرات أقفه عند كل آية وأسأله عنها . فهذا ابن عباس حبر الأمة ، وهو أحد من كان يقول : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ، يجيب مجاهدا عن كل آية في القرآن . وهذا هو الذي جعل مجاهدا ومن وافقه كابن قتيبة على أن جعلوا الوقف عن قوله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فجعلوا الراسخين يعلمون التأويل . لأن مجاهد تعلم من ابن عباس تفسير القرآن كله وبيان معانيه . فظن أن هذا هو التأويل المنفيّ عن غير اللّه . وأصل ذلك أن لفظ التأويل ، وبه أشير إلى بين ما عناه اللّه في القرآن وبين ما كان يطلقه طوائف من السلف ، وبين اصطلاح طوائف من المتأخرين فبسبب الاشتراك في لفظ ( التأويل ) اعتقد كل من فهم منه معنى بلغته أن ذلك هو المذكور في القرآن . ومجاهد إمام التفسير ، قال الثوريّ : إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به . وأما التأويل فشأن آخر . ويبين ذلك أن الصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب اللّه وقال : هذه من المتشابه الذي لا يعلم معناه ، ولا قال قط أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة المتبوعين : إن في القرآن آيات لا يعلم معناها ولا يفهمها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولا أهل العلم والإيمان جميعهم . وإنما قد ينفون علم بعض ذلك على بعض الناس ، وهذا لا ريب فيه ، وإنما وضع هذه المسألة المتأخرون من الطوائف بسبب الكلام في آيات الصفات وآيات القدر وغير ذلك . فلقبوها ، هل يجوز أن يشتمل القرآن على ما لا يعلم معناه ، وما تعبدنا بتلاوة حروفه بلا فهم ؟ فجوّز ذلك طوائف متمسكين بظاهر من هذه الآية ، وبأن اللّه يمتحن عباده بما شاء ، ومنعها طوائف ليتوصلوا بذلك إلى تأويلاتهم الفاسدة التي هي تحريف الكلم عن مواضعه . والغالب على كلتا الطائفتين الخطأ . أولئك يقصرون في فهمهم القرآن بمنزلة من قيل فيه : وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ [ البقرة : 78 ] . وهؤلاء معتدون بمنزلة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه . ومن